ابن رشد

191

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

كتاب القراض ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض ، وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الاسلام . وأجمعوا على أن صفته أن يعطي الرجل الرجل المال على أن يتجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال ، أي جزء كان مما يتفقان عليه ثلثا أو ربعا أو نصفا ، وأن هذا مستثنى من الإجارة المجهولة ، وأن الرخصة في ذلك إنما هي لموضع الرفق بالناس ، وأنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد ، وإن كان اختلفوا فيما هو تعد مما ليس بتعد . وكذلك أجمعوا بالجملة على أنه لا يقترن به شرط يزيد في مجهلة الربح أو في الغرر الذي فيه ، وإن كان اختلفوا فيما يقتضي ذلك من الشروط مما لا يقتضي . وكذلك اتفقوا على أنه يجوز بالدنانير والدراهم ، واختلفوا في غير ذلك . وبالجملة فالنظر فيه : في صفته وفي محله وفي شروطه وفي أحكامه ، ونحن نذكر في باب باب من هذه الثلاثة الأبواب مشهورات مسائله . الباب الأول : في محله أما صفته فقد تقدمت وأنهم أجمعوا عليها ، وأما محله فإنهم أجمعوا على أنه جائز بالدنانير والدراهم ، واختلفوا في العروض فجمهور فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز القراض بالعروض ، وجوزه ابن أبي ليلى ، وحجة الجمهور أن رأس المال إذا كان عروضا كان غررا لأنه يقبض العرض وهو يساوي قيمة ما ويرده وهو يساوي قيمة غيرها ، فيكون رأس المال والربح مجهولا . وأما إن كأنه رأس المال ما به يباع العروض ، فإن مالكا منعه والشافعي أيضا ، وأجازه أبو حنيفة . وعمدة مالك أنه قارضه على ما بيعت به السلعة وعلى بيع السلعة نفسها ، فكأنه قراض ومنفعة ، مع أن ما يبيع به السلعة مجهول ، فكأنه إنما قارضه على رأس مال مجهول . ويشبه أن يكون أيضا إنما منع المقارضة على قيم العروض لمكان ما يتكلف المقارض في ذلك من البيع ، وحينئذ ينض رأس مال القراض ، وكذلك إن أعطاه العرض الذي اشتراه به ، ولكنه أقرب الوجوه إلى الجواز ، ولعل هذا هو الذي جوزه ابن أبي ليلى ، بل هو الظاهر من قولهم ، فإنهم حكوا عنه أنه يجوز أن يعطى الرجل ثوبا يبيعه ، فما كان فيه من ربح فهو بينهما ، وهذا إنما هو على أن يجعلا أصل المال الثمن الذي اشترى به الثوب ، ويشبه أيضا إن جعل رأس